هل نرتكب أخطاء أجدادنا؟ الصدمات المتوارثة بين العلم والعلاج   عالم الأدب

هل حدث أن استيقظت يوماً وبداخلك خوف غامض لا تعرف مصدره؟ هل تجد نفسك تكرر نفس الأخطاء في علاقاتك، تختار نفس الشريك “غير المناسب”، أو تعاني من قلق مفرط تجاه المال رغم أنك ميسور الحال؟

غالباً ما نلوم أنفسنا. نقول: “أنا شخصيتي ضعيفة” أو “أنا نحس”. ولكن، ماذا لو أخبرتك أن هذا الألم ليس ألمك؟ ماذا لو كانت هذه المخاوف هي في الحقيقة “الصدمات المتوارثة” ثقيل تركته لك جدتك أو والدك، تماماً كما ورثت عنهم لون عينيك وملامح وجهك؟

في هذا المقال، سنخوض رحلة شائكة ومثيرة بين كتابين يفككان لغز الألم الإنساني من زاويتين مختلفتين تماماً:

  1. الزاوية البيولوجية: كتاب “هذا لم تبدأه أنت” (It Didn’t Start with You) – عن الصدمة المحفورة في الجينات.
  2. الزاوية التربوية: كتاب “الوحشة: أطفال بالغون لآباء غير ناضجين عاطفياً” (Adult Children of Emotionally Immature Parents) – عن الصدمة الناتجة عن التربية.

استعد، لأن ما ستقرأه قد يغير نظرتك لتاريخ عائلتك ولنفسك للأبد.

 

أولاً: عندما تتحدث الجينات.. الصدمة تسري في الدم

الكتاب: هذا لم تبدأه أنت – مارك وولين

تخيل فتاة تخاف من الأماكن المغلقة، رغم أنها لم تتعرض لأي حادث احتجاز في حياتها. بعد البحث، تكتشف أن عمتها توفيت مختنقة في حادث قبو قديم. هل هذه مصادفة؟ العلم الحديث يقول: لا.

مارك وولين في كتابه المزلزل يأخذنا إلى علم “التخلق المتوالي” (Epigenetics). الفكرة باختصار مرعبة ومدهشة: الصدمات النفسية القوية (كالحروب، المجاعات، الفقد المفاجئ، أو الجرائم) لا تموت بموت صاحبها. إنها تترك “ندبة كيميائية” على الحمض النووي (DNA)، وتنتقل للأبناء ثم الأحفاد.

1. لغة الصدمة الأساسية (The Core Language)

أخطر ما يطرحه الكتاب هو أننا نكرر “لغة” أجدادنا دون وعي.

  • قد تجد نفسك تقول: “أشعر أنني سأختفي” أو “سأفقد كل شيء في لحظة”.
  • هذه الجمل ليست مجازية؛ إنها وصف دقيق لما شعر به جدك عندما خسر ثروته، أو جدتك عندما هُجّرت من منزلها. الكتاب يعلمك كيف تتتبع هذه الجمل لتصل إلى “الجذر” وتدرك أن هذا الرعب لم يبدأ معك.

2. الولاء الخفي للعائلة

نحن نحب أهلنا لدرجة أننا نمرض مثلهم! يسميها وولين “الولاء غير الواعي”. قد يرفض الابن أن يكون سعيداً في زواجه لأن أمه كانت تعيسة، وكأنه يقول لها لا شعورياً: “أنا لن أكون أفضل منكِ يا أمي، سأشاركك الألم”. الشفاء يبدأ بكسر هذا الولاء المدمر واستبداله بولاء صحي.

 

ثانياً: عندما يكون الوالدان “أطفالاً”.. وحشة الإهمال العاطفي

الكتاب: أطفال بالغون لآباء غير ناضجين عاطفياً – ليندسي جيبسون

إذا كان الكتاب الأول يتحدث عما ورثته في “الدم”، فهذا الكتاب يتحدث عما افتقدته في “القلب”. عنوان الكتاب وحده يصف مأساة ملايين البشر: “الوحشة”. ذلك الشعور العميق بالوحدة وأنت جالس مع والديك.

ليندسي جيبسون تشرح لنا ظاهرة الآباء الذين قد يوفرون الطعام والمسكن والتعليم، لكنهم غائبون عاطفياً. هم جسد بلا روح، أو “أطفال كبار” لا يستطيعون احتواء مشاعر أبنائهم.

1. أنواع الآباء غير الناضجين (هل تعرف أحدهم؟)

  • الآباء العاطفيون: ينهارون لأقل سبب، وعلى الابن أن يكون “الطبيب النفسي” لهم.
  • الآباء المندفعون (Driven): مهووسون بالنجاح والإنجاز، يحبونك فقط “بشرط” أن تكون متفوقاً.
  • الآباء الرافضون: لا يريدون الإزعاج، ويتعاملون معك كأنك عبء.

2. أنت أحد رجلين: (مستدخل) أو (مستخرج)

نتيجة لهذه التربية، ينقسم الأبناء إلى نوعين:

  • المستدخلون (Internalizers): يلومون أنفسهم على كل شيء. “أبي غاضب؟ لابد أنني أخطأت”. هؤلاء هم من يقرأون كتب تطوير الذات (غالباً أنت منهم!). يتميزون بالحساسية المفرطة والاستقلال المبكر المؤلم.
  • المستخرجون (Externalizers): يلومون العالم، يقعون في المشاكل، ويدمرون كل شيء حولهم لتفريغ غضبهم.

3. “فانتزيا الشفاء”.. الوهم الذي نعيش فيه

أقسى درس في الكتاب هو: تخلَّ عن الأمل في أن يتغيروا. نحن نعيش طفولتنا وبلوغنا في انتظار “اللحظة السحرية” التي سيفهم فيها الوالد خطأه ويحتضننا. جيبسون تخبرك بوضوح: “هم لا يملكون الأدوات ليعطوك ما تريد. توقف عن الذهاب لمتجر بيع الخبز لتشتري الحليب”.

 

كيف نوقف النزيف؟

السؤال الآن: سواء كانت الصدمة في “جيناتك” (كما يقول وولين) أو في “تربيتك” (كما تقول جيبسون).. هل نحن محكومون بتكرار المأساة؟

الإجابة في كلا الكتابين هي: الوعي هو كلمة السر.

  1. في كتاب “هذا لم تبدأه أنت”: الشفاء يأتي من “إعادة التسكين”. أن تعيد الألم لصاحبه الأصلي. أن تتخيل جدك وتقول له: “هذا خوفك أنت، وأنا أحترم ما مررت به، لكنني أتركه معك الآن لأعيش حياتي”.
  2. في كتاب “الوحشة”: الشفاء يأتي من “النضوج المنفصل”. أن تبني علاقة مع والديك تقوم على (الملاحظة) لا (التفاعل). أن تراهم كبشر محدودين، مساكين، وليس كآلهة تتحكم في قيمتك.

نحن الجيل الذي يملك الفرصة الذهبية. نحن الجيل الذي امتلك العلم (الكتب) والشجاعة (العلاج) ليقول: “هذا الألم وصل إليّ، لكنه سينتهي عندي. لن أورثه لأطفالي”.

 

أسئلة شائعة (FAQ)

س1: كيف أعرف أن مشكلتي وراثية وليست نفسية عادية؟

ج: الصدمات الوراثية تتميز غالباً بأنها غير منطقية ولا تتناسب مع تجربتك الشخصية. إذا كان لديك رهاب قوي (فوبيا) أو شعور دائم بالكارثة دون أن يحدث لك موقف يبرر ذلك، فهذا مؤشر قوي للبحث في تاريخ العائلة (الجيل الثاني أو الثالث).

س2: هل يمكن تغيير الجينات فعلاً؟

ج: لا يمكن تغيير “كود” DNA نفسه، لكن يمكن تغيير “التعبير الجيني” (Gene Expression). العلاج النفسي، تغيير البيئة، وممارسات مثل التأمل، ثبت علمياً أنها تطفئ “جينات التوتر” وتفعل جينات الاستقرار. أنت لست ضحية بيولوجيتك.

س3: أهلي طيبون جداً لكنني أشعر بالوحدة معهم، هل أنا جاحد؟

ج: لا، أنت لست جاحداً. هذا هو جوهر “النضوج العاطفي المفقود”. الوالد قد يكون طيب القلب (يحبك) لكنه غير ناضج (لا يفهمك). الحب رعاية جسدية، لكن “الارتباط” رعاية عاطفية. إذا غاب الارتباط، ستشعر بالوحدة “الوحشة” مهما كانوا طيبين.

س4: هل يجب أن أواجه أهلي بما فعلوه؟

ج: كتاب ليندسي جيبسون ينصح بالحذر. الآباء غير الناضجين غالباً سينكرون ويهاجمونك (“نحن ضحينا بحياتنا لأجلك!”). الأفضل هو تغيير رد فعلك الداخلي ورسم حدود صحية، بدلاً من محاولة إجبارهم على الاعتراف بخطأ لا يدركونه.

 

هل تريد كسر الحلقة؟ 

هذه الكتب ليست للقراءة فقط، بل هي خرائط للنجاة. تجدها متوفرة الآن في قسم علم النفس والأسرة بمتجر عالم الأدب.

 

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *