للأستاذ زكي المهندس
عميد كلية دار العلوم سابقًا وعضو مجمع اللغة العربية
في هذا المكان من كل عدد، يجلس إليكم -أيها الشباب- المربي الكبير كاتب المقال، ليحدثكم حديث الوالد العطوف الواعي عن حياتكم، ويدلكم على أمثل السبل لأن تجعلوا منها حياة ناجحة.
أيها الأبناء
أبدأ حديثي بإسداء الشكر إلى مجلة (حياتك)؛ لأنها أتاحت لي هذه الفرصة القيمة لأتحدث إليكم حديث الوالد لأبنائه… ولعله من الخير في أولى هذه الجلسات أن ألفت أنظاركم إلى بعض أمور قد تغير من نظرتكم إلى الحياة، وتعدل من موقفكم منها، فإني مقتنع أشد الاقتناع بأن معظم ما يصيب الشباب من زلل وعثار في حياته لا يرجع في الأغلب الأعم إلى نقص في كفايته ونشاطه وعلمه، بقدر ما يرجع إلى سوء فهمه للحياة، وخطاء حكمه عليها…
ولست بمستطيع طبعًا أن أتناول في هذه الجلسة القصيرة جميع المبادئ التي يجب أن يتخذ منها الشباب قواعد لحياته.
فحسبي هنا أن أتحدث في إيجاز شديد عن مبادئ ثلاثة أرى أنها أساسية لحياتكم:
حياتكم من صنع أيديكم
أولًا: يجب أن تؤمنوا إيمانًا قويًّا عميقًا بأن حياتكم من صنع أيديكم، وأن نجاحكم أو فشلكم رهن بما تبذلونه من جهد، وعزم وكفاح، ومثابرة.
إن حياتكم ليست شيئًا خارجًا عنكم، ولكنها مجموع أعمالكم، وعواطفكم، وأفكاركم. فأنتم المخترعون والمستكشفون… وأنتم المشرعون للقوانين وقواعد السلوك… وأنتم المكونون للمبادئ والمثل… والواضعون لكل علم وفن وفلسفة، فليس في الحياة شيء لم تصنعوه بأيديكم وأفكاركم، وقلوبكم.
لقد غلبت على بعض كتاب الشرق نزعة صوفية فوصفوا الحياة بأنها بحر متلاطم الأمواج وأننا فيه كأعواد الخشب تطفو على سطح الماء وتتقاذفنا التيارات حتى تنتهي بها الأقدار إلى حظها المقسوم، ومصيرها المحتوم ولكني أعيذ حياتكم من هذه الصورة القاتمة الـمُيئِّسة، أعيذكم أن تكونوا في حياتكم كريشة في مهب الرياح لا تستقر على حال، أعيذكم أن تكونوا في أعمالكم وتصرفاتكم دمى متحركة لا روح فيها ولا حياة… ألا بئست هذه الصورة، وبئس مصوروها! إنها صورة تقتل نشاطنا وثقتنا بحيويتنا، وتوحي إلينا بالخمول واليأس، وتضعف من ثقتنا بأنفسنا.
لا -أيها الأبناء- إن حياتكم فيكم ومنكم. إنها مطبوعة في قلوبكم، محمولة على أيديكم. إنكم تملكون تلك العصا السحرية التي تخلقون بها دنياكم كما تحبون أن تكون، ولستم في هذا مرتبطين بطلاسم أو قوى خفية لا تدركها أبصاركم. فإذا جاز أن تكون الحياة كبحر متلاطم الأمواج، فإنكم فيها سباحون نشطون تكافحون بسواعدكم وعزائمكم أمواجها، وتفيدون من قوتها، كما يفيد الربان الماهر من اتجاه الريح وقوة التيار.
حقًا -أيها الشباب- إن طبيعة الحياة عجيبة، فهي تعطينا بقدر ما تأخذ منا، وهي لا تعطي شيئًا بلا مقابل، فنحن نحصد منها بقدر ما نزرع فيها، وهي في هذا أمينة لا تكذبنا، ولا تخدعنا، ولا تجاملنا، بل تكيل لنا صاعًا بصاع… فالعامل المجد النشيط المثابر، قوي ناجح… والخامل الكسلان المتردد، ضعيف فاشل… هذا هو القانون الذي ما فتئت الحياة تقيم عليه أصدق البراهين، وتضرب فيه أروع الأمثال.
إن الأعمال العظيمة التي رفعت من شأن الإنسانية لم تكن إلا نتيجة سلسلة من الجهود الدائبة والكفاح والمثابرة والتضحية. إنها لم تأتِ إلى الناس عفوًا، ولم تهبط عليهم من السماء. إن أصحاب هذه الأعمال لم يكونوا ملائكة أو شياطين تدفعهم قوى خفية إلى الإتيان بالعجائب، وإنما كانوا رجالًا أمثالكم، بل كانوا من هذا الطراز العادي الذي نصادفه كل يوم في حياتنا، ولكنهم بعزمهم وجلدهم، وحسن بلائهم، استطاعوا أن يحولوا العالم من فوضى إلى نظام، وأن يرفعوا الإنسانية من حقارة وتفاهة إلى سمو وتقدم ونشاط.
ثقوا -أيها الشباب- بأن حياتكم من صنع أيديكم، وأن نجاحكم أو فشلكم يعتمد كل الاعتماد على مبلغ ما تبذلون من جهود، وما تسددون من عزائم، وما تحتملون من عناء ونصب.
هذا هو المبدأ الأول الذي يجب أن تتخذوه قاعدة لحياتكم…
استبعدوا الحظ
ثانيًا: يجب أن تستبعدوا (الحظ) من حياتكم، وتسقطوه من حسابكم. إن الحياة منطقية أكثر مما تتصورون. إنها خاضعة لقانون العلة والمعلول، والسبب والمسبب، فالنجاح وليد العمل والجد والمثابرة… والفشل نتيجة الكسل والخمول والتواكل.
هذا هو قانون الحياة، وهو لا يقل في قوته وصدقه، وشموله عن قولك (الحرارة تمدد المعادن).
حقًا إن الحياة ليست مجموعة من (الحظوظ) والمصادفات تجري على غير نظام، وتشذ عن كل قاعدة. لا شك أن هناك أمورًا تجري أحيانًا ولا إرادة لنا فيها، ولكن هذه ليست إلا نوادر ومستثنيات وشواذ لا يمكن الاعتماد عليها، ولا يجوز أن نتخذ منها قاعدة لحياتنا.
خبروني -أيها الفتيان- ماذا يكون مصير هذا الرجل الفقير إذا قعد عن العمل انتظارًا لميراث يهبط عليه من السماء، أو كنز يقفز إليه من جوف الأرض؟! ماذا تكون نهاية هذا الطالب الذي يهمل دروسه توقعًا للنجاح في الامتحان عن طريق الحظ والمصادفة؟! ثم ماذا يكون نصيب الفلاح الذي يهمل في سقي زرعه لعل هطول المطر يكفيه عناء العمل؟! إن كثيرًا من الناس يبالغون في مسألة (الحظ) ويوشكون أن ينسبوا إليه كل شيء يقع في حياتهم! ولكن هؤلاء ضعاف مغرورون يحاولون إخفاء عيوبهم ونقائصهم تحت ستار تلك القوة الخفية العجيبة التي تصيب من تشاء، وتخطئ من تشاء بغير حساب.
يقول جيته: (إن تسعة أعشار العبقرية والنبوغ هي ثمرة الجد والاجتهاد والمثابرة، ولكن البله هم الذين لا يؤمنون بأن النجاح والجد أمران متلازمان).
وقد أجاب (أديسون) المخترع المشهور حين سئل عن السر في نجاحه بقوله: (إن هناك قومًا يؤمنون بأن الحظ يناوئهم، فهم لا ينفكون يندبون حظهم في الحياة، ولكني لم أر فيما رأيت رجلًا حسن الأخلاق، سليم العادات، مجدًا في علمه، حازمًا في تصرفاته قد شكا من سوء الحظ).
ثم إني أتساءل -أيها الفتيان- هل الحظ هو الذي أخرج لنا (الإلياذة) لهومر، أو (هملت) لشكسبير، أو (الأغاني) للأصبهاني، أو (لسان العرب) لابن منظور؟ هل الحظ هو الذي منح (أديسون) مصباحه الكهربائي، و(ستيفنسن) آلته البخارية، و(نيوتن) قانون الجاذبية؟
كلا -أيها الأبناء- إن (الحظ) نفسه هو وليد التعب، وبذل الجهد، والصبر والعزم. هذه هي الصفات التي تجلب الحظ، وإن شئتم فقولوا إن هذه الصفات هي التي تقي من سوء الحظ، وبهذا يصبح ما نسميه بالحظ نهاية لا بداية، ونتيجة لا مقدمة، وتابعًا لا متبوعًا، أما (الحظ) كما يفهمه سواد الناس فلا وجود له إلا في معاجم البله الضعاف.
تقبلوا الفشل بروح الرياضي
ثالثًا: عليكم إذا ما فشلتم في عمل أن تتقبلوا هذا الفشل بروح رياضية. ولا شك أن الفشل مع الجد والمثابرة بغيض إلى النفس، ولكن أبغض منه اليأس وخور العزم، فمن أهم واجباتكم أن تواجهوا الفشل بقلب جريء، وأمل قوي، وأن تعملوا على الفوز من جديد بعزيمة لا تقهر، وثقة لا تتزعزع…
وهل يرضى أحدكم أن يكون أضعف إيمانًا وثقًة من هذا الملاكم الذي نازل خصومه أربع مرات فشل في ثلاث منها وظفر في الرابعة ببطولة العالم؟ كذلك كان (شملنج) الملاكم الألماني المشهور…
إن الفشل في ذاته نوع من التربية. إنه يكشف عن أخلاقنا ورجولتنا. إنه يهدينا إلى مواطن القوة والضعف في نفوسنا. إنه يبعثنا على الدقة والحرص، والحذر كلما أعدنا التجربة. حقًا إننا نتعلم من فشلنا أكثر مما نتعلم من نجاحنا إننا كصغار الأطفال يتعلمون المشي من زللهم وعثارهم، وأنه لا يعنيني أن يفشل شاب مجد مثابر، بقدر ما يعنيني حاله بعد الفشل. هل تحسس أسباب الفشل؟ هل عدل عن عمله بسبب هذا الفشل؟ هل واجه الفشل بعزم جديد وأمل جديد؟ حقًّا إنه يعنيني أن أعرف كيف واجه الشاب هذا الفشل.
أيها الفتيان، إن الشباب السليم هو الذي يأخذ الدروس عن فشله لا عن نجاحه.. هو الذي يستطيع أن ينتزع النجاح من بين أنقاض الفشل، فكم حول هذا الفشل الرجال إلى عزائم ماضية، وقوى جبارة. إن الفشل-أيها الأبناء- لا يحطم إلا النفوس الضعيفة، أما النفوس القوية فهي التي تعرف كيف تتخذ من فشلها عدة لنجاحها، وكيف ترأب صدعها بأمل قوي، كما ترأب صدفة البحر صدعها بلؤلؤة… هي التي تعرف كيف تحول النكبة إلى مسرة، وتنتزع من الإخفاق قوة وأملًا..
هذا هو الشباب السليم، ويجب أن تكونوه.
وإلى اللقاء في الجلسة القادمة

لا يوجد تعليق